العين والحسد والسحر ، الخلافات الزوجية ومشاكلها


قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "نصف قبوركم من عيونكم"، وفي حديث آخر "لو تسابق القدر والعين لسبقت العين القدر"، وفي حديث آخر "لا تقتلوا أخوانكم هلا بركتم، إن نصف أمتي تموت بالعين".
من الملاحظات الواقعية والعيادية في مجتمعاتنا أن هناك إفراطاً في تطبيق مفاهيم العين والحسد والسحر وتأثيراتها في الحياة الزوجية، وأيضاً في مختلف النواحي الطبية والنفسية والأحداث اليومية الأعتيادية. ويؤدي ذلك إلى فهم خاطئ لأسباب المشكلات المتنوعة وبالتالي إزدياد تعقيد المشكلات وتطورها وعدم السير في طريق الحل الصحيح. والمشكلات الزوجية متنوعة ومنتشرة ولها أسبابها، ومنها العين والحسد والسحر. ولكن الإفراط والإسراع في تشخيص العين والحسد يشكل ظاهرة منتشرة تحتاج للمزيد من الدراسة والبحث. وتتعدد الأسباب التي تؤدي إلى اعتبار المشكلات الزوجية بسبب العين والحسد والسحر، ومنها:
- الجهل العام والأبتعاد عن الفهم الواقعي والعملي للمشكلة الزوجية، بسبب نقص المعلومات والثقافة عن العلاقات الزوجية والإنسانية. والحقيقة أن البحث العلمي في العلاقات الزوجية ومشكلات الزواج والتفاهم يعتبر حديثاً نسبياً مقارنة مع العلوم الأخرى. وهناك إهتمام علمي كبير في هذا الميدان الذي يتطور بأستمرار ويضيف لفهمنا للمرأة والرجل والعلاقة بينهما ويعطينا فوائد نظرية وعلاجية هامة.
إن إختلاق الأعذار والتهرب الإرادي من المسؤولية عند الرجل أو المرأة أو كليهما، يعني ذلك إختلاق الأعذار وتبرير التقصير والأخطاء التي يقوم بها أحد الزوجين بأن يرمي المشكلة إلى العين والسحر والحسد. وهو يعرف أن ذلك سوف يخلصه من المسؤولية الأخلاقية والإجتماعية، وأنه لا يد له/ لها في الأسباب. ولا سيما أنه يعرف أن مثل هذه التبريرات مقبولة في المجتمع وواسعة الانتشار. وهذا ما يقوم به بعض ضعاف النفوس من خلال كذبهم وافترائهم وادعاءاتهم الباطلة. وتتعارض هذه العقلية مع التفكير السببي العلمي ومبدأ "إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة"، "وأعقلها وتوكل". حيث يجب التعرف على الأسباب والمسببات والقوانين التي وضعها الله في الأرض وفي خلقه ومن ثم العمل بمقتضاها، ولا يمكن القفز مسافات هائلة دون توفر الوسائل الموصلة. وأخيراً لابد من التأكيد على أن الأنحراف عن الخلق القويم وأرتكاب المعاصي المتنوعة يهيئ للمشكلات الزوجية والجنسية ولا بد من مراجعة النفس وأخطائها وسلوكياتها أاستمرار والألتزام بالعبادات والذكر والمحصنات التي تجعل الإنسان قوياً في مواجهة العين والسحر والحسد، وتساهم في تحسين وإصلاح العلاقة الزوجية بإذن الله. كما لابد من دراسة المشكلات الزوجية بالتفصيل ومعرفة أسبابها الحقيقية والمحتملة والسير في طريق التغيير والتعديل والإصلاح والإستفادة من الطرق العلاجية النفسية والروحانية والتي تساعد على التخفيف من حدة المشكلات الزوجية وتعديل أساليب التفاهم الزوجي والسير في طريق علاج المشكلات وحلها باستمرار.
كذلك تتلخص الأساليب الدفاعية النفسية عند الرجل أو المرأة أو كليهما، بوجود القلق الشديد الناتج عن التعامل مع الطرف الآخر والمشكلات الزوجية. ويتعود أحد الطرفين أو كليهما أن يتخفف من هذا القلق بشكل لا شعوري بأن ينسب لجهات خارجية عن الذات مسؤولية المشكلات الزوجية وهذا يسمى الإسقاط. وفي تكوين الشخصية الأعتمادية أو النرجسية الأنانية، وأيضاً الشخصية الزورية الشكاكة، أنها يمكن أن تتعود على استعمال مثل هذا الدفاع النفسي بشكل غير متناسب مع الأسباب الحقيقية وراء المشكلات الزوجية. وهذه الأسباب الدفاعية يتخفف الإنسان بها من مشاعر القلق ومشاعر الذنب وأيضاً المشاعر العدوانية الغاضبة بأن يحولها إلى جهة أخرى خارجية.
ومن المفيد هنا التأكيد على أن الشخصية الناضجة تواجه المشكلات المتنوعة بصراحة وواقعية ويمكنها تحمل درجات أكبر من القلق والتوتر، وهي تستطيع مراجعة نفسها ويمكنها أن تتحمل المسؤولية والخطأ وأن تقوم بإصلاحه. أما الشخصية الأقل نضجاً وتوازناً والأكثر عقداً وإضطراباً فهي ضعيفة لا تتحمل اللوم والذنب والخطأ وتهرب من المسؤولية وتتملص من تبعاتها. كما أنها تقنع نفسها بالكمال الزائف وتتألم كثيراً من كل ما يذكرها بضعفها ونقصها وقصورها.
أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر: التعوذ بالله من شره والتحصن به واللجوء إليه ، والله تعالى سميع لاستعاذته، عليم بما يستعيذ منه. وهو سميع الإجابة، "سمع الله لمن حمده"، وقول الخليل صلى الله عليه وآله وسلم "إن ربي لسميع الدعاء"، إبراهيم : 39. وتأمل حكمة القرآن كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه بلفظ ( السميع العليم ) وجاءت الاستعاذة من شر الإنس الذين يؤنسون ويرون بالأبصار بلفظ ( السميع البصير ) فقال: "إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطن أتاهم أن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير"، غافر- 6.
- التوكل على الله فمن يتوكل على الله فهو حسبه. والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى لخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك، فإن الله حسبه أي كافيه، ومن كان الله كافية وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذى لابد منه كالحر والبرد والجوع والعطش. "ومن يتوكل على الله فهو حسبه"، الطلاق- 3.
- الصبر على عدوه وإلا يقاتله ولا يشكوه ، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلا ، فما نصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه والتوكل على الله، وقد قال تعالى ( ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله ) الحج - فإذا كان الله قد ضمن له النصر مع أنه قد استوفى حقه أولا، فكيف بمن لم يستوف شيئا من حقه بل بغي عليه وهو صابر؟.
- تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه فمن اتقى الله تولى الله حفظه ولم يكله إلى غيره، قال تعالى (وأن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا)، آل عمران 120. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم "احفظ الله يحفظك الله تجده تجاهك. فمن حفظ الله، حفظه الله، ووجده أمامه أينما توجه، ومن كان الله حافظه وأمامه فمن يخاف ومن يحذر.
- تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه، فإن الله تعالى يقول: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم"، الشورى-30، وقال: "أو لما أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم"، آل عمران 165 .
- فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه وإن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له فلا يلتفت إليه، ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه، وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره، فإن هذا بمنزلة من يطلبه عدوه ليمسكه ويؤذيه ، فإذا لم يتعرض له ولا تماسك هو وإياه بل انعزل عنه لم يقدر عليه، فإذا تماسكا وتعلق كل منهما بصاحبه حصل الشر. وهكذا الأرواح سواء. فإذا تعلقت كل روح منهما بالأخرى عدم القرار، وداتم الشر حتى يهلك أحدهما. وهذا باب عظيم النفع لا يلقاه إلا أصحاب النفوس الشريفة. ولا يصدق بهذا إلا النفوس المطمئنة الوادعة اللينة التي رضيت بوكالة الله لها، وعلمت أن نصره لها خير من انتصارها هي لنفسها، فوثقت بالله، وسكنت إليه، واطمأنت به، وعلمت أن ضمانه حق، ووعده صدق، وأنه لا أوفى بعهده من الله، ولا أصدق منه قيلا. فعلمت أن نصره لها أقوى وأثبت وأدوم وأعظم فائدة من نصرها هي لنفسها أو نصر مخلوق مثلها لها. وهو إقبال المؤمن على الله والإخلاص له وجعل محبته ورضاه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه وأمانيها تدب فيها دبيب تلك الخواطر شيئا فشيئا حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محاب الرب، والتقرب إليه واستعطافه ورضاه وذكره كالمحب الذي امتلأت جوانحه حبا فلا يستطيع قلبه انصرافا عن ذكره، ولا روحه انصرافا عن محبته ، فإذا صار كذلك فكيف يرضى لنفسه أن يجعل بيت أفكاره وقلبه معمورا بالفكر في حاسده والباكي عليه والطريق إلى الانتقام منه والتدبير عليه؟ هذا ما لا يتسع له إلا قلب خراب لم تسكن فيه محبة الله وإجلاله، وطلب مرضاته. قال تعالى حكاية عن عدوه إبليس أنه قال: "فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين". وقال تعالى: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان"، الحجر 42. وقال تعالى: "إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون"، النحل 99، 100. وقال في حق الصديق يوسف عليه السلام "كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين"، يوسف 4. فما أعظم سعادة من دخل هذا الحصن؟. "ذلك فضل الله يؤته من يشاء والله ذو الفضل العظيم" ، الجمعة 14.
- الصدقة والإحسان ما أمكنه، فإن لذلك تأثيرا عجيبا في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسد، فما تكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق، وإن إصابة شيء من ذلك كان معاملا فيه باللطف والمعونة والتأييد، وكانت له فيه العاقبة الحميدة. فالمحسن المتصدق عليه من الله جنة واقية، وحصن حصين، فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سببا لزوالها.
- تجريد التوحيد وهو الجامع لذلك كله، وعليه مدار هذه الأسباب. وهو تجريد التوحيد، والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، والعلم بأن هذه الآلات بمنزلة حركات الرياح، وهي بيد محركها وفاطرها وبارئها، ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه، فهو الذي يحسن عبده بها، وهو الذي يصرفها عنه وحده، لا أحد سواه. قال تعالى " وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله"، يونس07