ترجمته
كنيته أبو عبد الرحمـٰن واختُلِفَ في اسم أبيه فمنهم من قال: هو حاتم بن عنوان ابن يوسف، ومنهم من قال: هو حاتم بن يوسف؛ صحب شقيق بن إبراهيم البلخي وأسند الحديث عنه وعن شداد بن حكيم البلخي. وكان أستاذ أحمد بن خضرويه. وروى عنه أناس مثل حمدان بن ذي النون ومحمد بن فارس البلخيان.


مناقبه
كان حاتم الأصم أحد أعلام الورع والزهد من أهل بلخ الذين ذاع صيتهم في الآفاق وعُرف عنهم الإعراض عما في أيدي الناس والتوكل على الله، بالإضافة إلى التحلي بحسن الخُلُق والمعاملة، فقد أورد ابن خلكان في «وفيات الأعيان» قصة تظهر ما وصل إليه من المراتب العالية من الدين والخُلُق الحسن، فقد روى عن أبي بكر الوراق أن امرأة جاءت لتسأله مسألة، فاتفق أن خرج منها في تلك الحالة صوت فاحمر وجهها وخجلت خجلًا كثيرًا، فصارت كلما سألته جعل يوهمها أنه أصَمُّ ويقول لها: ارفعي صوتك، فقالت في نفسها: لم يسمع الصوت، فسمي لذلك الأصَمَّ، روى ذلك أكثر من واحد منهم صاحب «طبقات الأولياء» وابن تغري بردي في كتابه «النجوم الزاهرة».
قدم بغداد في أيام الإمام أحمد بن حنبل واجتمع به فنفعه وانتفع به. وقد روى أبو جعفر الهروي قصة أول اجتماع بينهما إذ قال: كنت مع حاتم وقد أراد الحج، فلما وصل إلى بغداد قال: يا أبا جعفر أحب أن ألقى أحمد بن حنبل، فسألنا عن منزله ومضينا إليه فلما خرج قلت: يا أبا عبد الله هذا أخوك حاتم، فسلم عليه ورحب به وسأله: أخبرني يا حاتم فيمَ أتخلص من الناس فقال: يا أبا عبد الله في ثلاث خصال، قال: ما هي قال أن تعطيهم مالك ولا تأخذ من مالهم شيئًا، وتقضي حقوقهم ولا تستقضي منهم حقًا، وتحمل مكروههم ولا تُكْرِهْ واحدًا منهم على شىء، فأطرق الإمام أحمد ثم رفع رأسه وقال: يا حاتم إنها شديد، فقال: وليتك تسلم، أعادها ثلاث مرات.
ولما اجتمع نفر من أهل بغداد بحاتم الأصم وسألوه: يا أبا عبد الرحمـٰن أنت رجل أعجمي وليس يكلمك أحد إلا قطعته لأي معنى قال لهم: معي ثلاث خصال أظهر بها على خصمي: أفرح إذا أصاب خصمي وأحزن له إذا أخطأ، وأُخفض نفسي كي لا تتجاهل عليه، بلغ ذلك أحمد بن حنبل فقال: سبحان الله ما أعقله من رجل.


ثناء العلماء عليه
ترجم له الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء» فقال في مقدم ترجمته ما نصه: «ومنهم المؤثر للأدْوَم والأعم والآخذ بالألزم والأقوم أبو عبد الرحمـٰن حاتم الأصم، توكل فسكن وأيقن فركن».
وقال فيه ابن خلكان في الوفيات: «حاتم بن عنوان الأصم من أهل بلخ كان أوحد من عُرف بالزهد والتقلل واشتهر بالورع والتقشف، وله كلام يُدَوَّن في الزهد والحِكَم».

وأما الذهبي فقد مدحه في سِيَره فقال: «الزاهد القدوة الرباني أبو عبد الرحمـٰن حاتم بن عنوان بن يوسف البلخي الواعظ الناطق بالحكمة، الأصم، له كلام جليل في الزهد والمواعظ والحكم، كان يقال له: لقمان هذه الأمة».


توكله على الله
روى الحافظ أبو نُعَيم أن رجلاً سأله: على أي شىء بنيت أمرك في التوكل فقال: على أربع خصال: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأنت به نفسي، وعلمتُ أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتي بغتة فأنا أبادره، وعلمت أني لا أخلو من عين الله (أي الله يراه) فأنا مستحٍ منه.
وقال له رجل مرة: بلغني أنك تجوز المفاوز (الصحارى والأماكن المهلكة) بغير زاد، فقال: بل أجوزها بالزاد وإنما زادي فيها أربعة أشياء، قال: ما هي قال: أرى الدنيا كلها ملكًا لله، وأرى الخلق كلهم عباد الله، وأرى الأرزاق كلها بيد الله، وأرى قضاء الله نافذًا في كل أرض لله، فقال له الرجل: نعم الزاد زادك يا حاتم، أنت تجوز به مفاوز الآخرة.
وروى عنه ابن خلكان أنه قال: خرجت في سفر ومعي زاد نَفِدَ في وسط البرية فكان قلبي في السفر والحضر واحدًا، وقال: لي أربع نسوة وتسعة من الأولاد، فما طمع الشيطان أن يوسوس لي في شىء من أرزاقهم.
وحدث مرة فقال: كنا في حرب مع التُرْك فرماني تركي بوهق فقلبني عن فرسي وقعد على صدري وأخذ بلحيتي وأخرج سكينًا يريد أن يذبحني بها، فما كان قلبي عنده ولا عند سكينه إنما كان متفكرًا فيما ينزل به القضاء، فقلت في نفسي: اللهم إن قضيت علي أن يذبحني هذا الرجل فأنا لك وملكك، وبينما أنا أخاطب نفسي إذ رماه المسلمون بسهم فما أخطأ حلقه.

وفي «طبقات الصوفية» لأبي عبد الرحمـٰن السُّلَمي يروي عن حاتم الأصم أنه قال: «ما من صباح إلا والشيطان يقول لي: ما تأكل وما تلبس وما تسكن؟ فأقول: «ءاكل الموت وألبس الكفن وأسكن القبر».


حِكَمه ومواعظه
عن أبي تراب أن شقيقًا البلخي قال له: أي شىء تعلمت مذ صحبتني قال: ست كلمات: رأيت الناس في شك من أمر الرزق فتوكلت على الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ (سورة هود/ءاية6).
ورأيت لكل رجل صديقًا يفشي إليه سره ويشكو إليه، فصادقت الخير ليكون معي في الحساب ويجوز معي الصراط. ورأيت كل أحد له عدو، فمن اغتابني ليس بعدوي ومن أخذ مني شيئًا ليس بعدوي، بل عدوي من إذا كنت في طاعة أمرني بمعصية الله، وذلك إبليس وجنوده، فاتخذتهم عدوًا وحاربتهم. ورأيت الناس كلهم لهم طالب وهو ملك الموت، ففرغت له نفسي. ونظرت في الخلق فأحببت ذا وأبغضت ذا، فالذي أحببته لم يعطني، والذي أبغضته لم يأخذ مني شيئًا، فإذا هو من الحسد فطرحته وأحببت الخير للكل، فكل شىء لم أرضَهُ لنفسي لم أرضَهُ لهم. ورأيت الناس كلهم لهم بيت ومأوى، ورأيت مأواي القبر، فكل شىء قدرت عليه من الخير قدمته لنفسي لأعمّرَ به قبري، فقال شقيق: عليك بهذه الخصال. وروي عنه أنه قال مرة: المؤمن لا يغيب عن خمسة: عن الله والقضاء والرزق والموت والشيطان.
ومن مواعظه قوله: مَنْ دخل في مذهبنا ذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت: موت أبيض وموت أسود وموت أحمر وموت أخضر، فالموت الأبيض الجوع، والموت الأسود احتمال الأذى، والموت الأحمر مخالفة النفس، والموت الأخضر طرح الرقاع بعضها على بعض.
ويروى عنه قوله: العجلة من الشيطان إلا في خمس: إطعام الطعام إذا حضر ضيف، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب.
وروى السُلَمي في «طبقات الصوفية» عن أحمد بن محمد بن زكريا أن حاتمًا الأصم قال: مَنْ أصبح وهو مستقيم في أربعة أشياء فهو يتقلب في رضى الله: أولها الثقة بالله ثم التوكل ثم الإخلاص ثم المعرفة. والأشياء كلها تتم بالمعرفة.
ومن كلامه قوله في تقسيم الجهاد: «الجهاد ثلاثة: جهاد في سِرّكَ مع الشيطان حتى تكسره، وجهاد في العلانية في أداء الفرائض حتى تؤديها، وجهاد مع أعداء الله في غزو الإسلام.
وقال: الواثق من رزقه مَنْ لا يفرح بالغنى ولا يهتم بالفقر، ولا يبالي أصبح في عسر أو يسر، وقال أيضًا: الزم خدمة مولاك تأتِكَ الدنيا راغمة والجنة عاشقة، وقال أيضًا: تَعَهَّد نفسك في ثلاثة مواضع: إذا عملت فاذكر نظر الله إليك، وإذا تكلمت فاذكر سمع الله لك، وإذا سكنت فاذكر علم الله بك.

وذكر صاحب «حلية الأولياء» أن عصام بن يوسف مر بحاتم الأصم وهو يتكلم في مجلسه فقال: يا حاتم أتحسن الصلاة قال: نعم، قال: كيف تصلي قال حاتم: أقوم بالأمر وأمشي بالخشية وأدخل بالنية وأكبر بالعظمة وأقرأ بالترتيل والتفكر وأركع بالخشوع وأسجد بالتواضع وأجلس للتشهد بالتمام وأُسَلّم بالسُّنَّة والإخلاص لله عز وجل، وأرجع على نفسي بالخوف، أخاف أن لا يُقبل مني وأحفظه بالجهد إلى الموت، فقال عصام حينئذٍ: تكلم فإنك تُحْسِنُ تصلي.


وفاته
ذكر الذهبي في سيره عن ابن منده وأبي طاهر السلفي أنه توفي سنة مائتين وسبع وثلاثين للهجرة، وكذلك قال ابن خلكان في «وفيات الأعيان».

رحم الله الإمام حاتم الأصم وأمدنا بأمداده ونفحاته الشريفة.