كتاب تاريخ المدينة
اسم الكتاب:
طبع الكتاب عن نسخة فريدة بتحقيق (فهيم شلتوت) باسم: (تاريخ المدينة المنورة) وهذا الاسم خطأ وغير صحيح, ومن ملاحظات عالم الجزيرة العلامة حمد الجاسر –رحمه الله- على هذه الطبعة الفريدة من الكتاب أن محققه لم يتأكد من العنوان, ولم يذكر ما يثبت صحة ما عنون له, ومما يدلك على ذلك أنّ الحافظ ابن حجر نقل عن الكتاب نقولات كثيرة تقرب من الثلاثين موضعاً, في كتابه (الإصابة في تمييز الصحابة) وذكره باسم: (أخبار المدينة)([1]) . والفيروز آبادي في المغانم المطابة في معالم طابة([2]) وأيضاً, والسخاوي أيضاً في التحفة اللطيفة, ورد هذا الاسم في وفاء الوفاء للسمهودي (911ه) ([3]) .
فالصواب أن اسم الكتاب: (أخبار المدينة) وهذا الاسم الذي عرفه العلماء, وتناقله الفضلاء, ولم أر من سماه باسم (تاريخ المدينة) إلا الكتاني في الرسالة المستطرفة .([4])
منهج ابن شَبّة في الكتاب:
صنف الإمام الأخباريّ (عمر بن شبّة) كتابه: (أخبار المدينة) ضمن الكتب التاريخية التي اهتمت بتواريخ المدن, ومخططها ومسالكها, والدليل على ذلك أنه أورد المسجد التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأماكنها, وذكر البئار التي شرب منها ومواضعها, وبين طريق النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابه للمصلى ورجوعه عنه.
وكتاب تاريخ المدينة في صورته التي وصلت إلينا يضم ثلاثة أقسام:

القسم الأول: تحدث فيه عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة منذ أن هاجر إليها إلى أن لحق الرفيق الأعلى, ومن خلال ذلك تحدث عن الناحية العمرانية للمدينة, من حيث إقامة المساجد, وتخصيص الصدقات, ومقابر المدينة, وذكر الآبار والعيون وما حولها من جبال ووديان, ومجمع مياهها, وما حماه النبيّ صلى الله عليه وسلم لإبل الصدقة.
وهذا القسم ناقص في أوله ومن آخره ، ولا يخلو من سقط في مواضع متعددة في وسطه ، كما أن الأحداث التي ذكرها غير مرتبة ترتيباً تاريخياً ، فنجده مثلاً يذكر قدوم عروة بن مسعود الثقفي وإسلامه ، ثم سرية نخلة ، ثم هجرة صهيب وخباب وعمار ، ثم هجرة عمر بن الخطاب ، كما أنه يذكر بعض المباحث الفقهية ، ومباحث في الفيء والأموال ومباحث في الخطط مثل المساجد والمقابر ، والأودية والسيول والآبار والمزارع ومنازل القبائل ودورها ، وحدود المدينة وجبالها.
والقسم الثاني : عن خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، منذ الجاهلية, ثم إسلامه, ثم توليه للخلافة, حتى انتقاله للرفيق الأعلى شهيداً, وقد عني أثناء ذلك بالإصلاحات في مرافق المدينة, وإجراء التوسيعات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, واهتمّ بشرح سياسته في إرساء قواعد العدل, ومراقبته للولاة والأمراء في إدارة شؤون الرعية, ومعالجته للأزمات الاقتصادية, خاصة عام الرمادة, وتنمية بيت المال بحيث يضمن رزقاً لكل مسلم حتى الطفل الرضيع.
ثم تحدث عن رحلاته إلى الشام وتفقده لأحوال المسلمين, وإرساء أسس العلاقة مع أهل الذمة في تلك البلاد.
وأما خلافة أبي بكر الصديق فهي غير مذكورة في هذا القسم من المخطوطة ، وقد افترض الأستاذ (فهيم شلتوت) أحد فرضين لتفسير ذلك : إما أن ابن شبة لم يكتب شيئاً عن خلافة أبي بكر أو أنها سقطت من المخطوطة. والثاني هو المتعين لوجود روايات متعددة في تاريخ ابن جرير الطبريّ رحمه الله يرويها عن (ابن شبّة) في تاريخه.
والقسم الثالث : عن حياة أمير المؤمنين عثمان بن عفان t, واهتمامه بجمع الناس على نسخة واحدة من القرآن, وتحدث عن الفتوحات والرفاهية التي عاشها البلاد, وكيف دخل على المجتمع المدني بعض أنواع اللهو, ومحاربته t للعب النرد, وتطيير الحمام, ثم تحدث عن الفتنة في عهده واستشهاده رضي الله عنه على أيدي أهل الفتنة, وقد توسع في أخبار الفتنة وما سبقها وذكر مواقف كبار الصحابة من ذلك ، ويتوقف الموجود من الكتاب هنا .
لكن الطبري ينقل عن ابن شبة روايات كثيرة عن تاريخ المدينة طوال العهد الأموي ، والفترة الأولى من العهد الأموي ، والفترة الأولى من العهد العباسي .
ويمكن تلخيص منهجه –في النسخة المتوفرة - في النقاط الآتية:([5])
1- ابتدأ الكتاب –القسم الموجود منه- بموضوع فقهيّ وهو صلاة الجنازة, وذكر فيه خمسة أحاديث مرفوعة, وحديثين موقوفين.
2- ثم تتبع طرق أحاديث النخامة في المسجد, وهي (35) حديثا مرفوعا, و(9) أحاديث موقوفة.
3- ثم أحاديث الكراهية في رفع الصوت في المسجد, وإنشاد الضالة والبيع والشراء فيه, بما يقارب (20) حديثاً مرفوعاً, و(14) حديثا موقوفاً.
4- ثم أحاديث الكراهية في نوم المسجد بــ(4) أحاديث.
5- تتبع طرق حديث الرخصة في النوم في المسجد, بــــ (27) حديثا مرفوعاً, و(15) حديثاً موقوفاً.
6- لا يلتزم بذكر الروايات الصحيحة, بل هو مجرد أخباري, ولذا جمع فيه روايات ضعيفة, بل روى عن متهمين مثل عبد العزيز بن عمران, ومحمد الكلبي, ومحمد الواقدي وغيرهم.
7- اعتنى بذكر قبور الصحابة رضي الله عنهم وهي (51) حديثاً مرفوعاً, و(59) حديثاً موقوفاً.
8- اهتمّ بالطرق المتعددة والمختلفة في ذكر حديث بئر رومة, والآبار, والأدوية التي في المدينة.
9- عني بتتبع أحاديث المساجد التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم, أو التي بنيت في عهده, وهي (84) حديثاً.
10- ذكر أحاديث فضل جبل أحد وغيره من الجبال بطرق متعددة, وهي (20) حديثاً.
11- تتبع أحاديث الدور الموجودة في المدينة, وأحاديث القبائل والمنازل.
12- تتبع أحاديث الوفود التي قدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي (85)حديثاً
13- تتبيع الأحاديث التي فيها صفة الرسول صلى الله عليه وسلم وخضابه وأسمائه وأخلاقه وهي (76) حديثاً.
14- ثم أحاديث الفضائل: فضل بني هاشم, ثم فضل عمر رضي الله عنه, وأطال فيه جدّا, فهي في الكتاب المطبوع (ص 654-949) قرابة 300 صفحة.
15- ثم ذكر الأحاديث المتعلقة في فضل عثمان رضي الله عنه.
ومنهج ابن شبة في كتاب (أخبار المدينة) ورواية الأخبار بالأسانيد على طريقة المحدثين، ولم يجمع الأسانيد كما فعل من سبقه من الأخباريين وأهل السير كمحمد بن إسحاق والواقدي, وابن سعد ، ولكن أسانيده ليست كلها موصولة ، بل منها الموصول ، ومنها المنقطع ، ومنها المعلق ، وكذلك مصادره ورجاله ليست بدرجة واحدة في الثقة بل منها المقبول ، والمردود ، وتحتاج إلى دارسة حديثية لمعرفة الصحيح ، من الضعيف ، من الموضوع.
ونقده للروايات قليل، ويكتفي بإشارات قليلة على طريقة العلماء في عصره في الاكتفاء بإيراد الأسانيد وبالإشارة الموجزة أحياناً إلى ضعف الرواية أو مناقضتها لرواية أخرى.
وطريقة ابن شبة هي طريقة من قبله ومن عاصره من المؤرخين الذين رتبوا كتبهم على النمط الموضوعي مع التزام الإسناد، وهو من أشدهم التزاماً له.

وابن شبة في (أخباره للمدينة) لم ينهج نهج المحدثين الذي أرخوا للمدن بتراجم علمائها والواردين عليها، كما فعل (بحشل) في تاريخ واسط، و(السهمي) في تاريخ جرجان، و(أبو عبد الله الحاكم) في تاريخ نيسابور، و(والخطيب البغدادي) في تاريخ بغداد، وإنما أرخ للمدينة تاريخاً عمرانياً وسياسياً ، وتأتي أهمية المعلومات التي ذكرها في كتابه عن الخطط العمرانية للمدينة وتسجيل الأحداث الأولى في تاريخ الدولة الإسلامية بكونها أقدم نصوص وصلت إلينا في هذه الموضوعات.
طبعات الكتاب: هذا الكتاب قد عثر على مخطوطة له في إحدى المكتبات الخاصة في المدينة، وهذه النسخة مخرومة في مواضع متعددة في أولها وفي وسطها وفي آخرها. كما يقول محققها الأستاذ فهيم شلتوت.
وقد ذكر الشيخ حمد الجاسر رحمه الله أن الدكتور سليمان الغنام درس الكتاب دراسة –بنصيحة من الشيخ حمد- نال بها درجة الدكتوراه .
قال الشيخ حمد الجاسر: (وفي عام 1397ه)([6]) عقدت كلية الآداب في جامعة الرياض الندوة الأولى لدراسات تاريخ الجزيرة العربية, وكان ممن شارك فيها الأستاذ فهيم شلتوت, وكان موضوع بحثه بعنوان: (تاريخ المدينة المنورة لابن شبة البصري) وقبل إلقاء كلمته سمعته يتحدث عنه في بعض الاجتماعات, فأخبرته بأن الكتاب معروف لدى الباحثين من أهل هذا البلاد, وأن السيد حبيب محمود رئيس مجلس الأوقاف في المدينة المنورة قد عهد بتحقيقه إلى الأستاذ محمود محمد شاكر, كما أخبرته بأن الدكتور سليمان الغنام الأستاذ في جامعة الملك عبد العزيز قد نال إجازة الدكتوراه بدراسة هذا الكتاب, ولقد كان الأستاذ فهيم وفيّاً وأميناً, فقد علّق عليه: اليوم علمت (1397ه) أن الأستاذ الدكتور سليمان الغنام قد أعد رسالته الدكتوراه في ابن شبة وأنه حقق بعض الكتاب, وهذا الخبر بقدر ما يسعد فإنه يبعث على الألم, لفقدان التنسيق والاتصال العلمي بين العلماء والهيئات المعنية بتحقيق التراث, حتى نتلافى تكرار الجهود وازدواج العمل.
قال الشيخ حمد: ثم شاء الله أن يتولى الأستاذ فهيم تحقيق الكتاب, الذي أفضل على الباحثين بتيسير الاطلاع عليه السيد الجليل حبيب محمود بطبعه وجعله وقفاً يوزع على طلبة العلم).
وقد أكثر الشيخ حمد الجاسر رحمه الله تعالى الملاحظات على الكتاب, وناقشه مناقشة دقيقة في كل المجلدات الأربعة, في ثلاث مقالات متتالية في (مجلة العرب)([7]) في الأعداد التالية: (18/291) و (19/589) و (20/372, 457, 683) .
وقد وقفت على صورة لكتاب للشيخ عبد الله الدويش رحمه الله تعالى بعنوان: (الكلمات المفيدة على أخبار المفيدة) مكون من أربع مجلدات, وهو ضمن مجموعة الشيخ الكبيرة التي اعتنى بها عبد العزيز المشيقح وطبعتها دار العاصمة بعشر مجلدات تقريباً.
ولا أدري ما طبيعة عمله إذ لم أقف على الكتاب بعدُ, يسر الله الوقوف عليه .
وإلى هنا أقف في هذه الكلمات, المتعلقة لأخبار المدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير البريات.



([1]) منها (1/242).

([2]) انظر: (71, 160) .

([3]) انظر: (1/123).

([4]) الرسالة المستطرفة (134).

([5]) من كتاب: (تخريج ودراسة الأحاديث المرفوعة في كتاب أخبار المدينة) للباحثة: لطيفة العدوي ص 22-29.

([6]) وقع في المجلة (1379ه) وهو سبق قلم, لتشابه الأرقام.

([7]) وهذه المجلة على إشراف الشيخ حمد الجاسر رحمه الله, وهي نفيسة, وفيها فوائد وأخبار كثيرة عن الكتب وعن تحقيقاتها, وعن البلدان والأماكن والتعريف بهم, ويوجد في الإنترنت (42) عددا منها جاهزا للتحميل.