شذا الرياحين من سيرة خير المرسلين


[size=32]شذا الرياحين من سيرة خير المرسلين[/size]

أبوحسام الدين الطرفاوي




مقدمة

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبعد :
فهذه صفحات جمعتها في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مختصرة تذكيرا لي ، ولمن أراد أن يطلع على السيرة بأسلوب سهل ميسر ، وقد أشرت إلى تفاصيل الأحداث في قائمة مراجع في نهاية البحث ، أسأل الله تعالى أن يوفقني إلى كل خير ويجنبني كل شر ، إنه على كل شئ قدير . وصلي الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم .
[1]

في صحراء جرداء ، لا زرع فيها ولا ماء ، إلا نبع كريم تفضل به خالق عظيم ، على طفل صادق ، وأم راسخ إيمانها بخالق البرية ، قالت للعين : زمي زمي ، فوقفت مكانها ، غير أن ماءها لا ينضب ولا يزول ، ولو أنها تركتها لصارت نهرا جاريا ، لكن حكمة الإله أعظم من إدراك الإنسان الضعيف ، فكبر الطفل ، والتف الناس من حوله ، وجاءه الأب الكبير ، وتم بناء الصرح العظيم ، ليربط بين قلب الإنسان ، وخالق الأرض والسماء ،(1) وعلى مر السنين ، كان من نسل هذا الصادق أمة عظيمة ، لكنهم خالفوا العهد والدين (2) ، وصار الهوى وحب النفس هما الحياة ، فقتلوا ونهبوا كل ضعيف ، وقتلوا أولادهم خشية فقر ، ودفنوا بناتهم أحياء خوف عار ، تركوا الخالق العظيم ، وعبدوا أحجارا حقيرة ، صماء بكماء ، لا نفع فيها ، ولا تسمع لدعاء ، (3) ورغم ذلك كانت لهم صفات حسن بجوار صفات القبح ، فكانوا كرماء ، أعزاء ، أقوياء ، يجيروا من استجار بهم ، ويغيثوا من أغاثهم .(4)


[2]

وجاء من قبل الجنوب رجل أسود ، جعد الشعر ، أشرم الوجه ، ومعه فيل كبير ، ليهدم الصرح العظيم ، لكن رب الصرح كان له بالمرصاد ، فأرسل عليه وجنوده طيرا ترميهم بحجارة صغيرة الحجم ، مهلكة الضرب ، فهلك صاحب الفيل وجيشه ، وحمى الله بيته .(5) وفي هذا العام أضاءت الأرض بنور ملأ أركانها ، خرج من امرأة آمنة على عرضها ، وشريفة في أهلها ، وقد مات عنها زوجها ، وهي تحمل النور في أحشائها ، فولدت الطفل الذي فرح به العدو قبل الحبيب ، من نسل الطفل الصادق وأبيه باني الصرح العظيم ، وكان الأعداء ينتظرون أن يولد منهم وفيهم ، لكن خاب ظنهم . (6) وقام عمه الطاغية فرحا بابن أخيه اعتق جاريته التي بشرته به ، فأرضعته ، وكانت من أوائل مرضعاته بعد أمه (7).والجد كان فرحه لا يقل عن فرح من حوله بل كان أشد وأحن ، وقد سماه باسم يجمع فيه صفات الخير .
[3]

وعلى الفور أسلموه لمرضعة في البادية ، ليرضع الصبر ، ويتحلى بالمكارم ، ويستنشق هواء نقيا بعيدا عن زحام القرية (8). فكان خير ضيف نزل على أفقر قوم ، فعمهم الرخاء بقدومه عليهم ، وصحت أنعامهم ، وكثر خيرهم ، واستبشروا به خيرا ، حتى جاءت لحظة حاسمة ، نزل من السماء طائران أبيضان كأنهما نسران ، فطرحاه على الأرض ، وشقا صدره ، ثم أخرجا منها علقة ، وقال أحدهما لصاحبه : هذا حظ الشيطان منه ، ثم أتيا بماء مثلج فغسلا صدره ، وتركاه قد امتقع وجه خوفا ، وانطلق إلى مرضعته فأخبرها الخبر الجلل ، وعلى الفور قامت وحملته على دابتها وأرجعته إلى أمه ، خوفا من أهله إذا أصابه مكروه ، ورجع إلى أمه(9) ، التي ذهبت به بعد ذلك إلى أخواله في بلد الزرع والماء والنخيل ، وعند عودتها ، ماتت ، وكانت لحظات كالجبال تمر على طفل كهذا ، واكتمل يتمه ، وصار لا أب له ولا أم حنون ، لا ندري كم كان شعوره عندما ينادي الأولاد من حوله على آبائهم وهو لم يجد أبا يناديه !! كم كان شعوره وهو يرى الأولاد من حوله تنادي على أمهاتهم وهو لا يستطيع أن يقول أمي . لكن الجد قد راعى كل هذا ، وقدمه على أولاده ، وأولاه رعايته وقربه في مجلسه(10)
[4]

ولما مات الجد الحنون لم ينسى أن يوصي إلى ابنه الحنون برعاية ابن أخيه اليتيم ، فكان العم خير أب وأحن من جده ، وكان يقربه ويقدمه على أولاده الكثيرون ، ويرى فيه الخير والبركة ، حتى خرج به ذات يوم في تجارة له إلى بلد بعيدة ، وفي الطريق قابله راهب ذو فراسة ودراية ، فقال لعمه : إن هذا الولد سيكون له شأن عظيم ، ولو رأوه اليهود لقتلوه . وعلى الفور أرجعه عمه إلى وطنه مع رجلين ممن كانوا معه (11)
[5]

وعاش الفتى حياته ككل الشباب في سنه ، وكان يرعى الغنم بالأجر ليعين عمه الفقير (12) ويكتسب من عمله القيادة والريادة والصبر والتحمل فوق كسبه لعيشه ، ولما بلغ سن العشرين قامت معركة عظيمة بين قومه وقوم آخرين ، وشارك فيها الفتى(13) ، وفي نفس العام شهد صلحا بين أطراف هذه المعركة وتحالفا على الخير ونصرة المظلوم (14) .
[6]

وكان في قريته امرأة ذات حسب ونسب ومال غير أنها كانت تكبره بخمسة عشرة عاما ، وطلبت منه أن يرعى تجارتها لما سمعت بأمانته ، وبعد رحلة في هذه التجارة ، حكى لها خادمها ما رآه من خلق هذا الشاب وفطنته وأمانته ، وعلى الفور أرسلت إليه تدعوه للزواج منها فقبل رغم فارق السن بينهما ، لكنها كانت خير أنيس وأسعد زوجة ، (15) وكان له منها الأولاد ، وقد راعته بمالها ، وفي سن الخامسة والثلاثين من عمره شارك قومه في تجديد بناء الصرح العظيم الذي قد بناه جده القديم ، والذي هو مكان عبادتهم ، وقد تنازع الناس حتى كادوا يقتتلون ، وأوكلوا أمرهم إلى أول داخل عليهم ، وكان هو الداخل ورضوا به حكما ، وكان حكمه عدلا حقن به الدماء وجدد به التآلف (16)
[7]

وبعد أن قارب الأربعين ، وقد اشتد صلبه ورجح عقله ، وشهد كل من حوله بدماثة الخلق ولين الجانب ، وحب الخير للناس ، إذا رآه الناظر من بعيد فرح برؤياه ، وإذا تحدث معه أحد تمنى أن لا ينتهي الزمن ، لم يعجبه حال قومه ، ولا أخلاق الكثير منهم ، فاعتزلهم واعتزل ما هم عليه من كل ما يخالف المروءة والرجولة ، ومن عبادتهم لأحجار وأشكال وصور ، وصعد إلى جبل قريب من قريته ، قرب غار هناك ، ينظر في السماء والأرض والجبال ، يبحث عن مخرج ، وعن جواب لتساؤلات ربما كانت تدور في رأسه ، من خلق هذا الكون وما فيه من بديع صنع ؟ ، من رفع السماء بغير عمد ، من نصب هذه الجبال وجعلها شامخة تتحدى العواصف والرياح ؟ وبعد فترة من الزمن نزل عليه من السماء رسول بالجواب ، فالتقى أمين السماء بأمين الأرض ، هل عرفتموه ؟ إنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي ، إنه أعظم شخصية في التاريخ ، اختاره خالق الأرض والسماء ليكون رحمة للعالمين ، ومنقذهم من الضلال إلى الهدى ، ومن ظلمات الجهل والوثنية إلى نور العلم والتوحيد ، نزل جبريل ليقول لهذا الأمي الذي ما أمسكت يداه بقلم ليخط ، وما عرف للقراءة طريق : اقرأ . فكان من البديهي أن يجيب : لست بقارئ ؛ لكن جبريل كرر إليه الأمر : اقرأ ، وكان الجواب مثل الأول تأكيدا له : ما أنا بقارئ . وهنا أراد جبريل أن يوجهه إلى نوع القراءة التي تراد منه بقوله في سورة العلق : اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْوَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) (17). وكانت هذه أول الكلمات التي تأتيه من رب العالمين ليبلغها للناس . " هذه الكلمات هي بسملة سعادة الإنسان ، وهي الأشعة الأولى لأنوار القرآن ، يا لها من براعة استهلال لمقاصد الرسالة

من تحت ســن القلـم أبصرتُ بعث الأممِ


(اقرأ) تلاها المصطفـى فكان جيل الأرقـمِ

ها هنا في قلب الغار اختُصر تاريخ الإنسان ، فيا له من مكان غمر في جوفه الزمان . ولقد تكون بعض الأحداث في التاريخ أكبر من التاريخ نفسه !! ويوم حراء أكبر وأخلد من التاريخ . وأكرِم بيوم تم فيه اللقاء بين أمين الأرض وأمين السماء !
كان العالم كله في غفلة عن ذلك الرجل الذي يأوي إلى غار حراء متوحِّداً في سبيل التوحيد .. وكانت ساعات يرتبط بها تاريخ أحقاب ودهور ، فلما انقضت مدتها لم يبق في الأرض المعمورة غافل عن ضيف ذلك الغـار ، ولم يبق جاهـل بآثـار تلك السـاعات التي كان يقضيها فيـه بالليل والنهار.. .
لقد خرج محمد من هذا الغار حقيقة نقية كالسماء الصافية .. خرج قانوناً من قوانين الله التي تُسيِّر الشمس والقمر ، وتمسك السماء والأرض .. يمضي قُدماً إلى الغاية المقدورة مُضيّ النجوم في حُبكها والشمس في فلكها .. هبط الرسول من حراء وقد حمل أمانة الرسالة ، فليت شعري أَهَبط ونفسه قريرةٌ كما ينزل النور من الشمس والقمر ؟ أم نزل ونفسه جائشةٌ كما ينزل الغيث بين الرعد والبرق؟! ما هي المشاعر والأفكار التي كانت تجول في قلبه وقد حمل "قولاً ثقيلاً" لينقذ به العالمين من الظلمات إلى النور ؟! لست أدري .. ولكنه نزل ديناً جديداً .. وعصراً وليداً .. وتاريخاً مديداً .. وإصلاحاً شاملاً وهدى كاملاً .. ورحمةً للعالمين ..".(18)
فما تحمل الموقف ورجع إلى زوجته الحبيبة يرجف فؤاده وترتعد فرائصه خوفا مما حدث ، وهذا خوف وضعه الله في بني آدم لا يسلم منه أحد ولا يحاسب عليه أحد . وطلب منها أن تغطيه ، وتدفئه ، وبعد أن هدأ روعه وذهب خوفه قص عليها ما حدث وقال : خشيت على نفسي . وهنا تظهر براعة المرأة الصالحة ، ويختبئ ضعف الأنثى لتقول له وكأنها قد اطلعت على الأمر : كلا فلن يخذيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتقري الضيف ، وتكسب المعدوم ، وتعين على نوائب الدهر . جمعت له كل خصال الخير ، وكأنها جمعت له بداية مجمل الرسالة التي من أجلها أرسله الله تعالى . وذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان قد تنصر وقرأ كتب اليهود والنصارى وعرف فيها شخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، حيث بشر به كتابهم ، وأخبره بأمره . (19)
[8]

وهنا كانت زوجه أول من آمن به من النساء , وكان الفتى الهمام ابن عمه على بن أبي طالب أول من آمن من الصبيان ، وذهب إلى صديق روحه أبي بكر ليدعوه إلى هذا الدين وفي الحال آمن به ، ودعا إلى دينه فآمن خمسة من العشرة المبشرين بالجنة (20). واستمر يدعو سرا خوفا من بطش مكة ، ثم نزل الأمر بالجهر بالدعوة وتحمل الأذى ، وحاول النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أهله وأقاربه لكن الأكثر وقف له وعارضوه ، وتعرضوا إلى أصحابه بالأذى (21)هنا بدأت الهجرة وطلب من أصحابه رأفة بهم الذهاب إلى أرض الحبشة حيث فيها ملك لا يظلم عنده أحد رغم أنه كان على النصرانية .(22) ثم أسلم حمزة بن عبد المطلب وتبعه الفاروق عمر بن الخطاب فتنفس المسلمون الصعداء
[9]

ودافع عنه عمه الحنون أبو طالب رغم أن عصبية القبيلة منعته أن يدخل في دين الحق حتى مات ، وكان وقع موته شديد عليه ، فقد طمع به كل من كان يعمل حسابا لعمه ،(23) وبعد فترة وجيزة لحقت بعمه رفيقة دربه خديجة رضي الله عنها ، وقد تركت له أم كلثوم وزينب وفاطمة ومات القاسم صغيرا . فاشتدت الأحزان عليه ،(24) وأراد أن يعرض نفسه على غير بلده مكة ، فذهب إلى الطائف ، وهناك قوبل بأشد ما لاقى في مكة ، وخرج وراءه الأطفال والرجال يرمونه بالحجارة حتى أدميت قدماه ، ورجع كسيرا حزينا (25)، وفي الطريق أرد ربه أن يواسيه ، فأرسل إليه جبريل ليقول له إن معي ملك الجبال ولو أمته أن يطبق عليهم الأخشبين ـ جبلين محيطين بمكة ـ لفعلت . وهنا تظهر الرحمة العظيمة ، وتظهر أعلى درجات العفو في الخلق ، وفي هذا الموقف الرهيب ، والنفس معبأة بالحزن والأسى على ما فعلوه فيه ، يقول : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا .(26) .
[10]

واشتد عزمه ، وزاد إصراره بعد أن بشره ربه بنصر دينه ، وجاءه خباب بن الأرت يشكو شدة التعذيب والأذى ، وكأنه جزع ، فكان قوله له : إن من كان قبلكم كان يؤتى بالرجل ويمشط بالحديد ما بين العظم واللحم لا يحوله عن دين الله شيئا والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يصير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ،لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون .(27) وكانت كلمات من نور بعثت الروح في قلوب أصحابه ولم يلتفتوا إلى تعذيب ولا تشريد ولا حرمان . واسى رب محمد محمدا بأن أرسل إليه جبريل بليل ومعه البراق ـ وهي دابة فوق الحمار ودون الحصان ـ في رحلة طويلة المسافة قصيرة الزمن ، إلى بيت المقدس في الشام ، وبعد صلاة مع أنبياء الله الذين سبقوه يصعد من هناك بصحبة أمين السماء إلى رب السماء ، ويمر في هذه الرحلة على كل سماء وما فيها من أنبياء حتى يصل إلى سدرة المنتهى ويتأخر جبريل ويتقدم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وينظر في الجنة وما أعده الله لعباده الصالحين ، وتفرض علي أمته خمس صلوات في اليوم والليلة .(28) ويهبط به جبريل قبل الفجر ، ويحكى محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس ما حدث له في ليلة ، شئ فاق الخيال ، وتحيرت أمامه العقول ، وكان لكل الناس في صدره كبوة من ذلك إلا رفيق الروح أبو بكر فقد صدقه بمجرد أن ذكر له من غير أن يسمع منه بمنطق عقلي حكيم : إذا كنت أصدقه في خبر السماء ما بين لحظة وأخرى ، أفلا أصدقه في هذا ! وسمي الصديق . وكان صديقا صِدِّيقا حقا .(29) وكذبه أهل الشرك كعادتهم واشتد آذاهم بعد أن عرضوا عليه المال والجاه والسلطان مقابل التخلي عن دعوته وقد رفض كل ذلك . ثم بعدها تزوج بسودة بنت زمعة . وبعدها خطب عائشة بنت الصديق .
[11]

ثم توالت البشريات حيث جاءت بيعة العقبة الأولى في ستة نفر من أهل المدينة في موسم الحج ، بايعهم على عبادة الله وحده لا شريك له وترك القتل والزنا والسرقة والبهتان ، وقد آمنوا ثم أرسل معهم الفتى الصغير مصعب بن عمير يعلمهم دين الله تعالى ويتحمل عبء الدعوة هناك (30). وجاء في العام الثاني ومعه سبعين من الأنصار قوم أرق قلوبا ، وأنضج عقولا وأكثر تضحية وفداء ، وتمت البيعة الثانية على السمع والطاعة في العسر واليسر وعلى نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم (31).
[12]

وفشل أهل مكة من إثناء النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن دعوته فدبروا مكيدة في قتله ، واجتمعوا في دار الندوى وحضرهم الشيطان اللعين ، وقد ملئت قلوبهم حنقا وغيظا ، وطاشت عقول عن التفكير السليم ، وعميت أعينهم عن الطريق الحق فقرروا قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلا وتفريق دمه في القبائل ، بجناية أنه يدعوهم إلى التوحيد ومكارم الأخلاق ونبذ الشرك والوثنية والفواحش ما ظهر منها وما بطن !!! .(32) وحان الموعد وجاء أمين السماء ليعلم أمين الأرض بالمكيدة والإذن له بالهجرة إلى المدينة فذهب إلى رفيق دربه الصديق في واضحة النهار يعلمه بذلك . ونام الفتى الهمام على بن أبي طالب في فراش ابن عمه يفيده بحياته وكان مثالا للشجاعة والفداء . وتجمعوا على بابه ولم يكن هناك مخرج غيره ، لكن حفته عناية الرحمن وخرج صلى الله عليه وآله وسلم من بين أيدهم بليل سالما وقد حثا التراب على رؤوسهم فناموا . وقام القوم من نومهم ودخلوا بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لينهوا ما بدءوه ، وأصابهم الفزع عندما علموا أنه خرج من بين أيديهم سالما . وخرجوا مذعورون يبحثون في كل مكان وقد رصدوا مكافأة لمن يأتيهم به مائة ناقة . وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة حزينا وهو يقول لها : والله إنك لأحب البلاد إليَّ ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت (33) . واختبأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه في غار ثور في أعالي مكة . وقد وصل المشركون إليه وخاف الصديق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا ! فقال الحبيب مطمئنا له : ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟!!! ونزل القرآن بالواقعة قال تعالى : (إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(التوبة:40) . وكان التأييد من الله تعالى . وخرج من مكة بعد ثلاثة أيام وتبعهم سراقة بن مالك طمعا في جائزة قريش ولكن خاب ظنه وأعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمان وبشره بسواري كسرى بن هرمز ملك الفرس . وواصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم رحلته إلى المدينة (34) .
[13]

واستقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة استقبالا عظيما ، ونزل في بني عوف من بني النجار بضعة عشرة يوما(35) ثم أراد أن يبني المسجد فتنازع الناس كلُ يريد أن يكون عنده فترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم المكان للقصواء ناقته حيث أنها مأمورة حتى بركت عند مربد للتمر لغلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة واشتراه منهما وقام المسلمون ببناء مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحمل معهم صلى الله عليه وآله وسلم اللبن وجعل قبلته إلى بيت المقدس وجعل له ثلاث أبواب بابا في مؤخره وبابا يقال له باب الرحمة والباب الذي يدخل منه رسول الله وجعل عمده الجذوع وسقفه بالجريد وقيل له ألا تسقفه فقال لا عريش كعريش موسى وبنى إلى جنبه بيوت أزواجه باللبن وسقفها بالجريد والجذوع فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بناه لها شرقي المسجد قبليه وهو مكان حجرته اليوم وجعل لسودة بنت زمعة بيتا آخر (36).
[14]

ثم وحد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين قلوب المؤمنين فآخى بين المهاجرين ، وألف بين قلوب الأنصار أنفسهم (37) وعاهد يهود المدينة حتى يأمن غدرهم ويحل السلام في المدينة ، ويسد كل باب للفتنة (38). وبهذا ظهرت شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كقائد عظيم ورسول كريم " يتمتع من الصفات المعنوية والظاهرة ، ومن الكمالات المواهب ، والأمجاد والفضائل ، ومكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال بما جعلته تهوى إليه الأفئدة، وتتفانى عليه النفوس، فما يتكلم بكلمة إلا ويبادر صحابته رضي الله عنهم إلى امتثالها ، وما يصدر من إرشاد أو توجيه إلا ويتسابقون إلى العمل به. بمثل هذا استطاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبني في المدينة مجتمعاً جديداً أروع وأشرف مجتمع عرفة التاريخ ، وأن يضع لمشاكل هذا المجتمع حلاً تنفست له الإنسانية الصعداء ، بعد أن كانت قد تعبت في غياهب الزمان ودياجير الظلمات. وبمثل هذه المعنويات الشامخة تكاملت عناصر المجتمع الجديد الذي واجه كل تيارات الزمان حتى صرف وجهتها، وحول مجرى التاريخ والأيام (39) .
[15]

ولكن أهل مكة غاظهم ما سمعوه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتحرشوا به عن طريق المنافقين في المدينة وحث اليهود على نقض العهد (40) والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يريد إلا دعوة الناس للحق ، ولكن نزل الإذن بالقتال دفاع عن النفس شذا الرياحين من سيرة خير المرسلين  Frownأُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج:39) . وأرسل النبي السرية تلوا السرية وشارك في عدد منها وسميت السرية لخلوها من رسول الله ، وسميت غزوة لوجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها . وهذه السرايا والغزوات هي سرية سيف البحر وسرية بطن رابغ وسرية الخرار وسرية الأبواء وغزوة بواط وغزوة سفوان وغزوة العشير وسرية نخلة وكل هذه السرايا والغزوات لم يقتل فيها غير واحد وقد دفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ديته إلى أهله(41) . وادعت اليهود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبعا لهم في قبلتهم فقلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجهه في السماء يريد مخرجا فجاء الأمر من الله بتحويل القبلة إلى المسجد الحرام . وشرعت في هذه السنة فريضة الصيام ومن بعدها فريضة الزكاة (42).