تقف وراء الصمت أسبابٌ عديدةٌ، منها:


أوّلاً: تلك الأسبابُ النابعة من الرجل نفسه، ومن مميزاته الشخصية التي تتمثّل في أنواع الشخصيات الثلاث: (C) and (B) و(A) (Personalty).
ثانياً: معاملة الزوجة له وسلوكها معه.
نستعرض فيما يلي العامليْن أو السببين سابقي الذِّكر:

أوّلاً – الصمتُ الناتجُ عن مميزات الرجل وطبيعة شخصيته:

والتي أُطلِق عليها الشخصية ذات النمط (أ)، والشخصية ذات النمط (ب) ونمط الشخصية التي استنبطتُها وسمَّيتها بالشخصية (ج) (C) and (B) و(A) (Personalty) توصَّل (فريدمان) و(روزنمان) بعد دراسة تناولت 3000 شخصٍ، إلى أنّ الناس ينقسِمون إلى قِسمين حسب النمط (أ) والنمط (ب)، وتختلف مميزاتهم إختلافاً كبيراً، كما يأتي:

أوّلاً: يتميّز الفرد ذو الشخصية (أ) بأنّه يميل إلى الحركة والنشاط ويعمل عدّة أعمال في آنٍ واحدٍ كأنْ يسوق الحافلة ويحلق ذقنه أو يأكل ويقرأ. كما أنّ طموحاته عالية جدّاً ويندفع لتحقيقها ويخوض مغامراتٍ لا تُعدُّ ولا تحصى ولو كلَّفته حياته، وممّن ينتمي إلى هذا النمط: مُتسلِّقو الجبال وغوّاصو البحار. وكثيراً ما يُصابون بالتوتُّر وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، كما أنّهم كثيرو الشجار، وإنْ تقلَّدوا القيادة أو المناصب، فإنّهم لن يستمرُّوا لفترة طويلة بسبب المشاحنات التي يفتعلونها. وهم يرتقون سُلَّم التقدُّم بسرعة، إنّهم سريعو الفهم كثيرو النسيان. عندما يمارِسون نشاطاً أو @كلمة محظور استخدامها في المنتدى ، يرجى حذف الموضوع@، فإنّهم يلعبون من أجل الربح وليس من أجل الإستمتاع، ولا يتحمّلون الإنتظار مطلقا

ثانياً: مجموعة نمط (ب)، إنّهم يتحرّكون ببطء، ويأكلون بمراسيم، يلعبون من أجل الإستمتاع لا الرِّبح، وإن تقلّدوا القيادة، فإنّهم يستمرّون لفترة طويلة بسبب هدوئهم، يطمحون إلى السكون ويكرهون الضجيج، يمارسون عملاً واحداً فقط وعند الإنتهاء منه يباشرون عملاً آخر، أعصابهم هادئة، قلَّما يُصابون بالتوتر وأمراض القلب، طموحاتهم حسب قابلياتهم وهي محدودة، لهم القدرة على الإنتظار والتحمّل. وبما أنّهم يميلون إلى السكون ويكرهون الضجيج، فبالتالي يفضلون الصمت على الكلام. ومن هذا المنطلق، على الزوجة والمحيطين بالزوج من هذا النمط أن يتقبَّلوا هذا النوع من الصمت لأنّه نابعٌ من نمط شخصيته وليس مرضاً أو تحدِّياً أو كرهاً للزوجة وما إلى ذلك من تأويلات قد تخطُر على بال الزوجة والآخرين.

ثالثاً: من ملاحظات أ.د. أمل المخزومي، التي بدأتها منذ 12 سنةً، واختبارات طبّقتها على الطلبة والأصدقاء وأفراد العائلة، وتوجيه بعض الأسئلة عن رأيهم في ذلك وعن نظرتهم إلى نوع الشخصية التي يحملونها؛ توصّلت إلى إنّ هناك مجموعةً ثالثةً من الناس تتميّز بمميزاتٍ شخصيةٍ أخرى أطلقت عليها نمط (ج) وتتميّز بسلوكها الذي يجمع بين الشخصيتين (أ) و(ب).

وهذه الشخصية تسلُك حسب الموقف الذي توجد فيه. وعلى هذا؛ يمكن أن يلزم الزوج الصمت بناءً على الموقف الذي يتطلَّب ذلك إن كانت الزوجة عصبية المزاج أو هناك مشاكل تواجه الزوجة كمشاكل الأطفال أو أهل الزوج أو المشاكل الإقتصادية... إلخ، عندها لا يرغب الزوج أن يضع البنزين على النار كي لا تنفجر حرائقُ ومشاحناتٌ في البيت فيفضِّل الصمتَ وهذا أضعفُ الإيمان.

أشارت دراسة نشرتها جريدة (نيويورك تايمز) في موقعها الإلكتروني إلى أنّ دماغ الرجل يتميّز بأنّه يتناسَق مع الوضع الذي يكون فيه، بينما دماغ المرأة مستعدٌّ لمواجهة التعب والإرهاق بالكلام والبحث عن ذلك التعب.

كما استعمل بعضُ العلماء الأميركان تقنيات (الإنبعاث البوزترونيَّ) لمشاهدة نشاط المخ لدى الين؛ ووجدوا أنّ هناك إختلافات أساسيةً بينهما والتي تتمثّل في أنّ دماغ الرجل يتميّيز بطاقة عالية نحو التصميم والأشكال الهندسية والتجريد، وأنّه يفتقر إلى الطاقة التي تساعده على التعبير وإنتاج الكلمات واللغة بعكس المرأة التي تمتلكها.

كما أشارت الدراسة نفسُها إلى أنّ أعصابَ المرأة تهدأ بسرعة، ويمكن أن أضيف أنّها تثور بسرعة وتعود لطبيعتها بسرعة. كما أنّ مخ الرجل ينتج هرموني (السيروتونين) و(أوكسيتوسين) أقل مما ينتجه مخ المرأة، ومن مميزات هذين الهرمونين أنّهما يقومان بتهدئة الأعصاب المتوترة.

هناك مَن يشير إلى أنّ المرأة تُعبِّر عن تعبها بالكلام، والرجل يُعبِّر عن تعبِه بالصمت ويتمنّى الرجل أن تصمُت المرأة عندما يشعر بالتعب وهي بالعكس تتمنّى أن يستمع إليها لأنّها تريد أن تفرِّغ تعبها بالكلام والشكوى


- الصمت الناتج عن البيئة الإجتماعية المحيطة بالرجل:

يَصمت الرجل عندما يكون متضايقاً من موقف يتعلّق بزوجته أو عائلتها أو صديقاتها، أو عندما يعاني من توتر وحالة نفسية متأزِّمة سواءٌ كانت بسبب العمل أو الدراسة وما إلى ذلك، إضافة إلى أنّ الرجل يصمت عندما يواجه مشكلةً ماليةً تتزامن معها طلباتُ الزوجة والأسرة التي لا تنتهي ولا يستطيع تلبيتها؛ فيواجه ذلك بالصمت.

كما أنّ المشاكل الإجتماعية التي تحيط بالرجل كثيرةٌ سواءٌ كانت من الأقرباء أو الأصدقاء أو زملاء العمل أو المدير وكلِّ مَن يتعامل معه في الوقت الذي لا يستطيع السيطرة على تلك المشاكل لتعقُّدها وصعوبة حلِّها فيجدَ الصمت وسيلة لذلك، كما يتسرَّب النسيان إليه لأن فكرَه مشغولٌ بتلك الأُمور المستعصية عليه.

هناك مَن يُفضِّل الإنعزال والإنسحاب من الجماعة والمجتمع ويصفه الآخرون بأنّه مُنطَوٍ على نفسِه ولا يعرفون عن حاله شيئاً لأنّه لم يعدُ يُفصِح عمّا في داخله.


ثانياً – المشاكل التي تُسبِّبها الزوجة وتؤدِّي إلى صمت الرجل:

تحدُث بعض الأحيان مشاكل تكون الزوجة سببها وتؤدِّي إلى صمت الرجل يمكن أن نلخِّصها كما يأتي:

1- كثرة طلبات الزوجة: كثيرٌ من الزوجات لا يخترن الوقت المناسب لعرض طلباتهنّ؛ وبعضُهُنّ يبدأن الحديث عن طلباتهنّ فور عودة الزوج من العمل وهو مُتعَب جائعٌ بحاجة إلى إشباع جوعِه ونيل قسطٍ من الراحة وينتظر ذلك بشوق، ولكن يحدث العكس وتأتيه منغصاتُ تلك الطلبات، عندها يتعوَّذ من الشيطان ويصمُت.

2- تستقبل بعض النِّساء الزوج بالشكاوي التي لا تنتهي وهناك مَن تبكي من الأولاد، وأعمال البيت، ومعاملة أُم الزوج لها، ومشاجرة الجيران معها... إلخ مِن أسباب الشكوى، والزوج المسكين كان يحلُم بالراحة في البيت فيواجَه بالعكس من ذلك، وعندها يلوذ بالصمت ولسان حاله يقول: "يا رب أريد أن أرتاح.. أريد أن أسُدَّ رمقي من الجوع.. أريد أنْ أنام"! وهيهات أن يَسمع لشكواه وأنينه أحدٌ.

3- إحساسه بفارق المستوى الثقافيِّ والإجتماعيِّ بينه وبين زوجته، وأنّها لا تستطيع أن تفهمه وتتعرَّف على هواياته ورغباته وأفكاره، كما أنّه يواجه صعوبة أحياناً من عجزها عن فهمها لأفكاره التي يطرحها عليها وتبدأ بطرح أسئلة ساذجة محيِّرة ممّا يؤدِّي بالتالي إلى أنّه يتجنَّب إدخال نفسِه في متاهاتٍ ترهقه ويصعُب عليه الخروج منها؛ ولهذا يفضِّل الصمت على الكلام معها.

على سبيل المثال، جاءتني رسالة من زوج يطلب مشورتي في حالة زوجته، هو مهندس مكائن وكان لديه مشروع، وأراد أنْ يُشرِك زوجته في الفكرة بعد أن يطرحها عليها، لكنه شعر بأنّها لم تفهم ماذا يعني ذلك، وبدأ يشرح لها حتى ضاع الوقت ولم تفهم، فقال:

"إنِّي أنفخ في قربة مثقوبة"! تأثّرت الزوجة من ذلك وبدأت تبكي حظَّها لأنّها لم تتعلّم وتزوّجت قبل الأوان وانشغلت بتربية الأبناء والعناية بالزوج حتى وصلت إلى تلك الحالة أنّها في وادٍ وزوجها في وادٍ آخَر، ومنذ ذلك الوقت وهي تلحُّ على زوجها أنْ تتعلَّم كي لا يضيع كلامه معها سُدىً، ويسألني ما العمل كي أعيد لها إطمئنانها النفسيَّ وتعود كما كانت تعتني بأُسرتها وهي قانعة. وبدوري أعطيتُه بعضَ التوصيات وتمنّيتُ لهم حياةً زوجيةً خاليةً من المنغِّصاتِ.

4- عدم إفساح المجال للزوج أن يُعبِّر عمّا يريد ويرغب؛ فمِنَ الزوجات مَن يكون صبرها قليلاً وتقاطع زوجها بإستمرار ولا تترك له الحرِّيّة في التعبير عمّا يريد، كما أنّها لا تستطيع الإنصات إليه عندما يتحدّث، مما يؤدِّي بالتالي إلى أن يقلِّل من كلامه ويصمت، عندها تقول: "إلى أنْ يُخرِج كلمةً أو جملةً من فمه أكون أنا قد قرأت كتاباً كاملاً". وأحياناً تستهزئ وتُعلِّق عليه لأنّه لا يتكلّم بالسرعة التي تريدها هي وبالتالي يُفضِّل الصمتَ على الكلام.

5- خوف الزوج من إفشاء ما يقوله لزوجته من سر: هناك مَثَلٌ يقول: "سِرُّكَ أسيرك، فإن بُحتَ به أصبحتَ أسيره"، وآخر يقول: "إن كان السرِّ بين إثنين، فإنّه يصبح بين ألفين". ولهذا يحاول الرجل أن يكتم سِرَّه في داخله ولا يفصح لزوجته به خاصةً إذا كانت الزوجة من النوع الذي لا يحفظ السر

6- خوف الرجل على زوجته من زجِّها في مشاكله: كثيراً ما يتجنَّب الرجلُ الإفصاح عن مشاكله ومعاناته لزوجته خوفاً عليها من التوتر والقلق، ويردِّد دائماً: "تكفيها مشاكلها مع الأولاد وأعمال المنزل وما تؤدِّيه من تضحية لنا". عندها يكتم ذلك في قلبه ولا يفصح عنه لزوجته وأحياناً تسمع عن مشاكله من الآخرين ممّا يحزنها ويؤلمها، وإن فاتحت الزوج في الأمر، يقول لها: "لم أشأ أن أُحمِّلَك فوق طاقتك من مشاكل ولهذا كتمت عنك ما حلَّ بي من مشاكل"، عندها تتأثّر الزوجة من ناحيتين: الأولى بسبب مشكلة الزوج التي يعاني منها وحده، ومن ناحية أخرى بسبب تضحيته واهتمامه بحالتها النفسية، ممّا يُقوِّي رابطتهم الزوجية أكثر فأكثر.

7- تجنُّب الزوج مواجهة إنتقادات الزوجة: يتجنَّب بعض الأزواج طرح مشاكلهم أمام زوجاتهم خوفاً من الإنتقادات التي توجِّهها بعض الزوجات لشعورهِنَّ بضعف الزوج أمام الآخرين مثل المدير أو الأصدقاء أو زملاء العمل... إلخ من مشاكل تحدُث مع الآخرين وقد يكون الزوج مظلوماً في ذلك.

8- كثرة مشاغل الزوجة داخل المنزل أو خارجه: هناك من الزوجات مَن تعمل في البيت من تدبير منزليٍّ وتربية الأولاد والعناية بالزوج إضافة إلى العمل خارج البيت لتوفير لقمة العيش للاسرة ومعاونة الزوج على ذلك، بحيث لم يبقَ لها وقتٌ لتجلس مع الزوج لتحاورَه وتتحدّث معه.

أسباب ترجع إلى دور المجتمع في ترديد الأقوال المأثورة أو توصيات قد تؤثر على بعض الرجال وتشجِّعهم على الصمت كقولهم:

- "إنّ الندم على طول الصمت مرّة واحدة خيرٌ من الندم على كثرة الكلام مرّاتٍ".

- "إن كان الكلام من فِضّة فالسكوت من ذهب".

- "إنّ الصمت والتأمُّل يُنمِّي الجانب الفكريَّ في الإنسان