بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله

صفات الميزان


الواقع أن العلماء لم يتفقوا على إثبات أوصاف الميزان _ وقد تقدمت الإشارة إلى بعض الجوانب في وجوب الإيمان بالميزان, ومواقف الناس في ذلك _ وأما خلافهم في ثبوت صفاته فقد انقسموا إلى فريقين:
1- أما الفريق الأول: فهم المثبتون لصفات الميزان الحسية, من أن له كفتين. .. إلى آخر أوصافه, وهؤلاء وإن أثبتوا هذا لكنهم يرجعون صفة تلك الكفات واللسان إلى علم الله تعالى.
2- أما الفريق الآخر: فهم النافون لتلك الصفات.
وسنذكر رأي الفريقين فيما يلي: -
(1) المثبتون لصفات الميزان:
يثبت هؤلاء _ وهم جمهور العلماء _ أن الميزان له كفتان حسيتان مشاهدتان, وله لسان كذلك.
يقررون هذه الحقيقة غير ملتفتين إلى من تشمئز قلوبهم من سماعها, لعدم قبول عقولهم لها, وعدم تفهم ما ورد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم في ذلك. ذلك أن الحق ضالة المؤمن, وما ورد به الشرع هو الذى ينبغي أن يقدم على هوى النفس وحكم العقل.
وسنذكر فيما يلي بعض أقوال هؤلاء كأمثلة على ثبوت ما ذكرنا.
قال القرطبي - ردًّا على من ينكر الميزان, ويؤول الوزن بأنه من ضرب المثل, وأن الوزن يراد به العدل و القضاء – قال: (وهذا مجاز. وليس بشيء, وإن كان شائعاً في اللغة – للسنة الثابتة في الميزان الحقيقي, ووصفه بكفتين ولسان, وأن كل كفة منها طباق السموات والأرض) (1) .
ويعزو القرطبي إلى ابن عباس أنه قال: (توزن الحسنات والسيئات في ميزان له كفتان ولسان) (2) .
و أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس أنه قال: (الميزان له لسان وكفتان, يوزن فيه الحسنات والسيئات, فيؤتى بالحسنات في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان, فتثقل على السيئات؛ فتؤخذ فتوضع في الجنة... ويؤتى بالسيئات في أقبح صورة فتوضع في كفة الميزان فتخف...) (3) .
ويقول ابن قدامة: (والميزان له كفتان ولسان، توزن به الأعمال، فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون: 102, 103 ]) (4) .
ويقول أبو الحسن الأشعري في معرض بيانه لاختلاف الناس في الميزان ومبيناً رأي أهل السنة: فقال أهل الحق: (له لسان وكفتان, توزن في إحدى كفتيه الحسنات وفي الأخرى السيئات, فمن رجحت حسناته؛ دخل الجنة, ومن رجحت سيئاته دخل النار, ومن تساوت حسناته وسيئاته, تفضل الله عليه فأدخله الجنة) (5) .
و يثبت ابن كثير أن للميزان كفتين حسيتين, ويستدل على هذا من السنة بحديث صاحب البطاقة المشهور وغيره من الأحاديث (6) .
وأخرج الطبري عن ابن جريج قال: قال لي عمرو بن دينار: (قوله: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [ الأعراف: 8 ] قال: إنا نرى ميزاناً وكفتين، سمعت عبيد بن عمير يقول: يجعل الرجل العظيم الطويل في الميزان، ثم لا يقوم بجناح ذباب) (7) . وهو القول الذى رجحه الطبري أيضاً.
ويقول ابن أبي العز: (والذى دلت عليه السنة: أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان) (8) .
و قال أبو إسحاق الزجاج – كما نقل عنه الحافظ ابن حجر: (أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان, و أن أعمال العباد توزن يوم القيامة, و أن الميزان له لسان وكفتان, ويميل بالأعمال) (9) .
ويقول السفاريني: (فقد دلت الآثار على أنه ميزان حقيقي ذو كفتين و لسان, كما قال ابن عباس, والحسن البصري, و صرح بذلك علماؤنا, والأشعرية وغيرهم, وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر، وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه) (10) .
ويقول البرديسي:
(وانعقد الإجماع على أنه ميزان حسي له كفتان ولسان يوضع فيه صحف أعمال العباد ليظهر الرابح و الخاسر) (11) .
ويروى من طريق عبد الملك بن أبي سليمان أنه قال: (ذكر الميزان عند الحسن فقال: له لسان وكفتان) (12) .
وعن سليمان قال: (يوضع الميزان وله كفتان, لو وضع في إحداهما السموات و الأرض ومن فيهن لوسعته) (13) .
ويقول الهراس: (وهناك تنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد, وهي موازين حقيقية كل ميزان منها له لسان وكفتان, ويقلب الله أعمال العباد – وهي أعراض – أجساماً لها ثقل, فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة) (14) .
ونقتصر في إثبات أن الميزان له لسان وكفتان على ما قدمناه من ذكر أقوال العلماء.
وبهذا يتبين أن أهل الحق – أهل السنة والجماعة – يثبتون حقيقة الميزان على ضوء ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, لا يتأولون معناه, ولا يردون ما جاء في وصفه, ويقولون: الله وحده هو الذي يعلم قدرهما وكيفيتهما.
إذ لو لم يكن له لسان وكفتان؛ بل هو بمعنى العدل والقضاء كما ذهب إليه بعض العلماء, لو لم يكن كذلك لما وصف في السنة النبوية بأن له لسانا وكفتين, وأنه يخف ويثقل؛ إذ العدل لا يقال فيه تلك الصفات, فصح أنه ميزان حقيقي يزن الله فيه أعمال العباد, فمن رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة, ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار, على ما علم من مذهب السلف.
وإذ كنا نثبت صفات الميزان على ضوء ما جاء به الشرع فإنه لا ينبغي أن نتكلف فنثبت له أوصافاً تحتاج إلى إثبات من الشارع, أو نستند إلى أخبار لم تثبت, فإن الغلو في هذا مذموم.
و كمثال على هذا: ما يذهب إليه بعض الناس من أن كفتي الميزان من ذهب (15) .
أو القول بأن كفة الحسنات من نور, وكفة السيئات من ظلام (16) .
أو أن كفة الحسنات عن يمين العرش مقابل الجنة, وكفة السيئات عن يسار العرش مقابل النار (17) .
أو ما يقال إن صاحب الميزان يوم القيامة هو جبريل عليه السلام (18) .
فتلك المسائل كلها تحتاج لإثباتها – فضلاً عن اعتقادها – إلى نص صحيح, فإن بعض العلماء يتساهل فيما يقرره من هذه المسائل, مثل ما يرويه السفاريني بصيغة التضعيف – يروى – (أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان, فلما رآه غشي عليه, فلما أفاق قال: إلهي من ذا الذي يقدر يملأ كفة حسناته؟ فقال: إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة) (19) .
أو ما يذكره عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه – غير معزو إلى أحد – أنه قال: (ميزان رب العالمين ينصب للجن والإنس, يستقبل به العرش, إحدى كفتيه على الجنة, والأخرى على جهنم, لو وضعت السموات والأرض في إحداهما لوسعتهن, وجبريل آخذ بعمود ينظر إلى لسانه) (20) .
وكذا ما يروى عن عمر مرفوعاً: ((من كبر تكبيرة في سبيل الله, كانت صخرة في ميزانه أثقل من السموات السبع وما فيهن وما تحتهن, وأعطاه الله بها رضوانه الأكبر, وجمع بينه وبين محمد وإبراهيم والمرسلين في دار الجلال: ينظر إلى الله بكرة وعشياً)) (21) .
وفي رواية أخرى عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كبر تكبيرة على ساحل البحر, كان في ميزانه صخرة, قيل: يا رسول الله, وما قدرها؟ قال: تملأ ما بين السموات والأرض)) (22) .
ويقول السفاريني: (ظواهر الآثار وأقوال العلماء: أن كيفية الوزن في الآخرة – خفة و ثقلاً – مثل كيفيته في الدنيا, ما ثقل نزل إلى أسفل ثم يرفع إلى عليين, وما خف طاش إلى أعلى ثم نزل إلى سجين, وبه صرح جموع, منهم القرطبي).
و قال بعض المتأخرين بل الصفة مختلفة, وأن عمل المؤمن إذا رجح صعد وسفلت سيئته, والكافر تسفل كفته لخلو الأخرى عن الحسنات, ثم تلا قوله تعالى: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ فاطر: 10 ].
وذكر بعضهم في صفة الوزن: أن تجعل جميع أعمال العباد في الميزان في مرة واحدة, كل الحسنات في كفة النور, و هي يمين العرش جهة الجنة, والسيئات في كفة الظلمة, و هي عن يسار جهة النار, ويخلق الله لكل إنسان علماً ضرورياً يدرك به خفة أعماله وثقلها.
وقيل: بل علامة الرجحان عمود نور يقوم في كفة الحسنات حتى يكسو كفة السيئات, وعلامة الخفة عمود ظلمة يقوم من كفة السيئات حتى يكسو كفة الحسنات, لكل أحد (23) .
والظاهر أن هذه الكيفيات كلها تحتاج إلى إثبات, فهي مسألة غيبية, و الله تعالى له القدرة على ما يشاء.
2 – النافون لصفات الميزان:
و هؤلاء قالوا بعكس ما قاله الفريق الأول, حيث أحجموا عن وصف الميزان بالأوصاف التي تقدمت, واكتفوا بإثبات أن هناك ميزاناً فقط.
1- يقول محمد رشيد رضا – في نفي تلك الصفات وفي رده على الزجاج: (وإذا لم يكن في الصحيحين ولا في كتب السنة المعتمدة حديث صحيح مرفوع في صفة الميزان, ولا في أن له كفتين ولساناً, فلا تغتر بقول الزجاج أن هذا مما أجمع عليه أهل السنة, فإن كثيراً من المصنفين يتساهلون بإطلاق كلمة الإجماع ولاسيما غير الحفاظ المتقنين, والزجاج ليس منهم, ويتساهلون في عزو كل ما يوجد في كتب أهل السنة إلى جماعتهم, وإن لم يعرف له أصل من السلف, ولا اتفق عليه الخلف منهم, وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف و الخلف كما علمت) (24) .
وقال أيضاً: (والأصل الذي عليه سلف الأمة في الإيمان بعالم الغيب: أن كل ما ثبت من أخباره في الكتاب والسنة فهو حق لا ريب فيه, نؤمن به, ولا نحكم رأينا في صفته وكيفيته, فنؤمن إذا بأن في الأخرة وزناً للأعمال قطعاً, و ونرجع أنه بميزان يليق بذلك العالم, و يوزن به الإيمان, والأخلاق, والأعمال, ولا نبحث عن صورته وكيفيته, ولا عن كفتيه – إن صح الحديث فيهما – كما صوره الشعراني في ميزانه) (25) .
والواقع أن ما قاله محمد رشيد رضا – من إنكار أن يكون هناك أي إشارة إلى أن الميزان له كفتان من السنة – غير مسلم فقد جاء في السنة بعض الأحاديث التى تدل على وزن العمل ووزن العامل وكما أخرج البخاري: ((يؤتي بالرجل فيوضع في كفة)) (26) وكقوله أيضاً: ((فطاشت السجلات وثقلت البطاقة)) (27) . وغيرها من الأحاديث التي قدمنا ذكرها, وفيها إشارة إلى إثبات أن ميزان الأعمال له كفتان.
ثم إن إثبات أن الميزان له كفتان لم يقل به الزجاج وحده, بل هو ما عليه الأئمة الذين قدمنا ذكر أقوالهم.
2- ما علقه الدكتور طه محمد الزيني على ترجمة ابن كثير في إثبات أن للميزان كفتين حسيتين بقوله: (لا يوجد دليل قاطع في القرآن ولا في الحديث على أن كفتي ميزان الحساب يوم القيامة حسيتان – أي يدركان بإحدى الحواس الخمس, و أقرب الحواس إلى إدراك الكفتين اللمس باليد – بل كل ما في القرآن والحديث يحتمل أن يكون الوزن معنوياً, بل هو الأرجح؛ لأن الأعمال يوم القيامة أكثرها معنوي يقرب إلى الأذهان بتشبيهه بالحسيات) (28) .
وهذا القول من الدكتور طه الزيني يعتبر بعيداً عما قرره العلماء, ومخالفاً لما جاءت به السنة في وزن الأعمال, وليس ما يذكره من أعمال يوم القيامة من الأشياء المتخيلة التي يشبه فيها المعنوي بالحسي. فإن القول بهذا يفتح باباً خطيراً من التشكيك في أمورالآخرة, وينبغي على من يقول بهذا أن يعيد النظر فيه. (29)
موقع درر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فيمكن تفصيل الكلام في الميزان في مسائل:
الأولى: ذكر الميزان في القرآن، قال تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) [الأنبياء: 47] قال في شرح الطحاوية: يحتمل أن تكون ثمة موازين متعددة، توزن فيها الأعمال، ويحتمل أن يكون المراد الموزونات، جمع باعتبار تنوع الأعمال.
وقال تعالى : (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون) [المؤمنون: 102-103]. روى الطبري في تفسيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدةٍ دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار.. ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف". قلت: هذا إن عامل الله العبد بعدله، فحاسبه على الصغير والكبير، وإلا ففضل الله واسع، ورُبَّ رجل قد غرق في الذنوب حتى أذنيه، ثم شملته رحمة الله، ما لم يكن مشركاً، كما قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: 48].

الثانية ذكر الميزان في السنة:
من ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة. وقال اقرؤوا إن شئتم: (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً)".
وفيهما أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم".
وروى أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعةً وتسعين سجلاً، كل سجل مدّ البصر، ثم يقول له أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يارب، فيقول ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول: لا، يارب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم عليك، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. فيقول أحضروه، فيقول: يارب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفه، والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات، ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم".
الثالثة: في صفة الميزان: فصفة الميزان كما دلت عليه الأحاديث أن له كفتين حسيتين مشاهدتين توزن فيه الصحائف، وربما وزن الشخص نفسه، أو أعماله، وكل ذلك مذكور في الأحاديث.
ووزن الأعمال من مواقف يوم القيامة المشهودة، قال القرطبي في التذكرة، قال العلماء: "إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال، لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها، ليكون الجزاء بحسبها" أهـ. كلام القرطبي. وعليه فالوزن كما نص عليه القرطبي ـ أيضا ـ لا يكون في حق كل أحد، ذلك أن الله يدخل الجنة عباداً من غير حساب، فلا وزن عليهم إذاً. والله أعلم.