موسى كليم الله 1-2 ..؟؟







موسى كليم الله 1-2 ..؟؟ 383816181




القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (الأعراف: 101) وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111) فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120)، وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.

تبدأ الأحداث المتعلقة بقصة موسى عليه السلام، قبل مولده، حيث بلغ الطغيان والظلم في فرعون أوجه، فادعى الألوهية واستعبد بني إسرائيل، يظلمهم ويعذبهم ويستخدمهم في أصعب المهن وأرذلها، فأراد الله تعالى أن ينصر الضعفاء ويمحق الظالم، ويخرج البشرية من الظلمات إلى النور، فبدأ الأمر بإنذار من الله تعالى وتوعد للظالم، وذلك برؤيا رآها فرعون في منامه، بأن ناراً أقبلت من جهة بيت المقدس، أحرقت دور الأقباط وأبقت على بني إسرائيل، فجمع من أجل هذه الرؤيا، السحرة والكهنة، وأخبرهم عمّا رآه، فذكروا له أن ذلك مرتبط ببشارة عند بني إسرائيل، أنه يولد منهم ولد يكون هلاك ملك الأقباط على يديه.
اتخذ فرعون قراراً ظالما أرعن، يُضم إلى الجرائم التي أجرمها بحق بني إسرائيل، وحق المصريين أنفسهم، حيث استخفهم فأطاعوه، واستعبدهم فقبلوه، فأمر بقتل كل مولود ذكر يولد من بني إسرائيل، معتقداً بذلك أنه يحمي نفسه من تلك الرؤيا التي رأى هلاكه فيها، ثم إن بعض أتباعه وزبانيته اشتكى من أن هذا القرار، سيتسبب بعد فترة في فناء الشباب من بني إسرائيل، وتقليل أعدادهم، وبالتالي لن يكون هناك من يقوم بالأعمال الشاقة، فأصدر فرعون تخفيفاً للحكم بأن يقتل المواليد الذكور في سنة، ويتركون في السنة التي تليها.


ولادة موسى :


ولد هارون عليه السلام «أخو موسى» في سنة الإعفاء، أما موسى عليه السلام، فشاء الله أن يكون ميلاده تحدياً لفرعون، ولأحكامه، ولبيان أن إرادة الله وقدره فوق كل حُكم وإرادة، ولا ينفع حذر من قدر، وأن من مأمنه يؤتى الحذر، فولد موسى في السنة التي كان يحكم فيها على المواليد فيها بالموت.
جاء جنود فرعون ليقتلوا الولد الرضيع، فأوحى الله تعالى إلى أم موسى وحي إلهام، أن تلقيه في اليم، مع وعد منه تعالى بأن يرده إليها، فوضعته في تابوت وألقته، وطلبت من أخته أن تتتبع مسيره، وشاء الله تعالى أن يحمله اليم إلى قصر فرعون، تحدياً من الله تعالى، بأن ما تخاف منه يا فرعون، سيتربى في دارك وأنت من سيحرص عليه.


وصول التابوت :


وصل التابوت إلى قصر فرعون، فحمله الخدم إلى سيدة القصر، ووقع حب هذا الطفل في قلبها، فأخذته إلى فرعون الذي ما إن رآه وعرف أنه من بني إسرائيل، حتى أمر بقتله، لكن الزوجة شفعت له بعد أن أكمل الله تعالى لها فطنتها، وسألته أن يبقيه، ويتبنوه، ويكون كما يريدونه إذا تربى بينهم، ففعل فرعون ذلك كارهاً له.
ويُذكر أن موسى عليه السلام أخذ مرة بلحية فرعون وجرها، فغضب فرعون لذلك وخاف، فأمر بقتله، لكن زوجته آسيا اعتذرت له كونه ما زال صغيراً لا يدرك حركاته وتصرفاته، لكن فرعون لم يقتنع بأنه غير مدرك، فطلب إحضار جمر وتمر ليختبر موسى عليه السلام، فإذا اختار التمر قتله، وإذا اختار الجمر فإنه سيتأكد بأنه لا يعقل، فما كان من موسى إلا أن مد يده ليأخذ التمر، فدفع جبريل عليه السلام يده تجاه الجمر، فأصابته حرارته، فبكى عليه السلام، فقالت له آسيا: إنه لا يفرق بين جمرة وتمرة، فاطمأن فرعون لذلك، وهكذا حماية الله تعالى لأوليائه وأصفيائه.


حزن الأم :


أما أمه عليه السلام، فقد وقعت في غم كبير وحزن شديد، لأن ابنها وصل إلى قبضة من يحاول قتله، وكادت تذهب وتحاول استرجاعه من القصر، إلا أن الله تعالى ربط على قلبها، وصبرت لوعد الله تعالى الذي وعد الصابرين بالأجر العظيم، وتفريج الكرب، وبين أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً.
وما لبث الحزن في قلب أم موسى حتى تلقت بشارة رجوع ولدها إليها، حيث إن الله تعالى حرم على موسى المراضع، فلم يكن يرضى بأي حليب أو صدر امرأة لترضعه، فذهب به خدم فرعون يبحثون له عمّن ترضعه، فقالت أخته لهم، وهي تتصنع عدم معرفة هذا الطفل؛ هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، وأشارت إلى أمه، فلما أحضروه إليها وأرضعته، فرح خدم القصر بذلك، وجعلوا لها راتباً مقابل هذه الرضاعة.


موسى والقبطي :


كبر موسى وترعرع بين كنفي أمه، وفي قصر فرعون حتى بلغ أشده وأصبح شاباً يافعاً، ووقعت في شبابه حوادث كثيرة من أبرزها أنه رأى رجلاً من بني إسرائيل يضربه أحد الأقباط الذين هم قوم فرعون، فاستنجد الإسرائيلي بموسى، فجاء ودفع القبطي يريد أن يبعده، إلا أن هذه الدفعة تسببت في قتله، وانتشر في البلاد خبر مقتل القبطي، إلا أنه لم يعرف من قتله، وأصبح موسى عليه السلام يمشي وهو خائف، يخشى أن يبطشوا به إذا علموا أنه هو القاتل.
وفي اليوم التالي رأى موسى عليه السلام الإسرائيلي الذي أنقذه يتعارك مع قبطي آخر، ويستنجد بموسى عليه السلام، فغضب موسى عليه السلام من كثرة ما يوقع هذا الإسرائيلي نفسه في المشكلات، وقال له إنك لغوي مبين، ثم جاء ليساعده، لكن الإسرائيلي بعد أن سمع تلك الكلمات من موسى عليه السلام، ظن أنه سيأتي ويكون مع القبطي ضده، فخاف وقال لموسى على مسمع من الجميع: «أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين».


مقتل القبطي :


هنا علم الجميع أن موسى عليه السلام هو من قتل ذلك القبطي، وانتشر الخبر في كل البلاد، ووصل إلى فرعون، وأراد قوم فرعون الانتقام من موسى وقتله، جراء قتله القبطي، وقبل أن يصلوا إليه، جاء إليه رجل ناصح من آل فرعون، وبين له أن القوم يأتمرون به ليقتلوه، ونصحه بالهرب من مصر، علَّه ينجو من بطش قوم فرعون.
وبالفعل هرب موسى خائفاً، طالباً من الله تعالى المغفرة عمَّا فعل، وسائلاً إياه أن يهديه ويوفقه للخير، وهو يعلم أن العبد إذا أخطأ، فإن الله تعالى يقبل التوبة من عباده، ويفرح بعبده إذا رجع وأناب إليه، فوصل عليه السلام إلى بلاد مدين هارباً من قوم فرعون في مصر لتبدأ معه سلسلة جديدة من حياته.
ومدين هي منطقة كانت لقبيلة من العرب الموجودين في شمال غرب الجزيرة العربية، وبالتحديد تقع بالقرب من مدينة البدع التابعة لمنطقة تبوك الواقعة شمال غرب المملكة العربية السعودية.


قصته على البئر :


لما وصل إلى بئر مدين وجد عليها جمعاً من الرجال يسقون أغنامهم، ووجد امرأتين تتأخران عنهم، وتمنعان غنمهما من الاختلاط مع الغنم الأخرى، فسألهما عن سبب تأخرهما عن سقي الأغنام، فذكرتا له عدم قدرتهما على السقي؛ لأنهما لا تريدان مخالطة الرجال، وأبوهما شيخ كبير لا يستطيع أن يرعى الأغنام، فتنتظران فراغ الرعاة من السقي فتأخذان فضل سقي الرعاة، فذهب موسى عليه السلام فزاحم الرعاة وسقى لهما، وقيل إنه أزاح صخرة كبيرة من على البئر يحملها في العادة عشرة رجال، فسقى لهما، ولم يطلب منهما أجراً أو معروفاً جزاء ذلك، بل جلس تحت ظل شجرة وطلب الأجر من الله تعالى فدعا ربه بقوله: «رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير».


في بيت الشقيقتين :


بعد سقي الماشية؛ عادت الشقيقتان إلى أبيهما سريعاً، وذكرتا له أن هناك رجلاً غريباً كان على المورد، وهو من سقى لهما، فطلب الأب من إحدى ابنتيه أن تدعو ذلك الرجل ليجزيه أجر السقيا، ويكافئه عليها، فذهب موسى معها يسير أمامها مخافة أن يتكشف منها شيء أو أن ينظر إلى ما لا يحل له، وكانت تدله على الطريق من خلفه بالحصى برمي الحصى باتجاه المسير.
وصل موسى إلى بيت الشيخ الصالح وذكر له ما كان من أمره مع فرعون ومَلَئه، فطمأنه الشيخ وقال له: «لا تخف نجوت من القوم الظالمين»، ثم إن إحدى بناته أشارت إليه أن يستأجره، لما رأت من قوته وأمانته وعفته وشهامته، فعرض الشيخ على موسى عليه السلام، أن يزوجه إحدى ابنتيه مقابل أن يكون أجيره لثماني أو عشر سنوات، وقد فعل موسى ذلك فأحسن إلى هذا الشيخ، وأكمل معه تلك السنوات.
بعد ذلك أراد موسى عليه السلام، أن يرجع إلى أمه وأهله فأخذ بزوجته، وسار عائداً إلى مصر، وفي طريق العودة وقعت له حادثة عظيمة، غيرّت مجرى حياته وكان لها الأثر الأكبر في علاقته مع بني إسرائيل وفرعون وقومه، سنتعرف إليها في سياق الجزء الثاني من القصة، يوم غد إن شاء الله.