الحمد لله الذي جعل التوحيد مفزعا لعباده وحصنا، وجعل البيت الحرام مثابة للناس وأمنا، وأفاض عليهم فيه

من بركاته رحمة ومنّا، وجعل أفئدتهم تهوي إليه أنينا وحنينا، وجعله حرزا على أعدائه وحصنا حصينا.

أما بعد، فإنّ الله جلّ وعلا فرض على المسلمين الحجّ، وأوجب عليهم الإتيان إليه من كل فجّ،

وأمرهم أن يُظهروا شعائره بالعجّ والثجّ.



 فضائل الحج Yd248729

قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [ سورة آل عمران الآية: 97]

وقال جلّ وعلا: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾[ سورة الحج: 27].

وقد استفاضت النصوص في فضله وعظم شأنه، هذا بيانها:


 فضائل الحج Els48729

من فضائل الحجّ أنّ أيّامه تصادف أفضل الأيّام عند الله تعالى، وهي عشر ذي الحجة؛ إذ فيه يوم التروية في اليوم

الثامن من ذي الحجة، ويوم عرفة في التاسع من ذي الحجة، ويوم النحر في العاشر، ولهذا كان الحج من أفضل ما

عمل في هذه الأيام، وهي التي أقسم الله بها في كتابه فقال: ﴿وَالفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2]، وقد نقل الإمام

ابن جرير الطبري في تفسيره : (15/169) إجماع أهل التأويل على ذلك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن

النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيّام- يعني أيام العشر-»

قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل اللهِ إلاَّ رجلاً خرجَ بنفسه وماله ثم لم

يرجع من ذلك بشيء» [رواه البخاري].


 فضائل الحج Ruj48729

ومن فضائل الحج، أنّ الله تعالى جعل جزاءه الجنّة؛ لأنّه تضمّن تحقيق التوحيد ونبذ الشرك.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما،

والحجّ المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنة» [متفق عليه]. وقد فسّر النبي صلى الله عليه وسلّم معنى المبرُور في

حديث آخر فتعيّن المصير إليه، وهو ما رواه جابر رضي الله عنه , عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «الحجُّ

المبرُور ليس له جزاء إلاّ الجنة» قيل: وما برُّه؟ قال: «إطعام الطعام، وطيب الكلام»

[رواه أحمد وغيره بإسناد حسن، صحيح الترغيب والترهيب (رقم 1104)].

وإنما قيّد الحج المبرور بهذا؛ لأنَّ الحاجَّ محتاجٌ إلى معاملة الناس بالإحسان بالقول والفعل، وسُئِل سعيد بن جبير:

أيّ الحاج أفضل؟ قال: «من أطعم الطعامَ، وكفّ لسانَه» [ لطائف المعارف (ص 258)].


 فضائل الحج Val48729

ومن فضائل الحج أنّه يكفّر به جميع الذنوب، صغيرها وكبيرها، فعن عَمرو بن العاص رضي الله عنه قال: لمّا جعل الله

الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلّم فقلت: ابسط يمينك فلأبايِعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت

يدي، قال: «ما لَك يا عَمرو؟» قلت : أردت أن أشترط، قال: «تشترط بماذا؟» قلت: أن يغفر لي، قال: «أمَا علمتَ أن

الإسلام يهدم ما كان قبله، وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنّ الحج يهدم ما كان قبله» [رواه مسلم].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «من حجّ فلم يرفثْ ولم

يفسَقْ رجعَ كيوم ولدته أُمُّهُ » [متفق عليه]. والرفثُ هنا هو الجماع بدليل قوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ

رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾[البقرة 197]. وقوله : «كيوم ولدته أمه» أي بلا ذنب. وظاهر هذه الأحاديث يدل

على أنه لا فرق بين الصغائر والكبائر في الغفران، ويؤيّده حديث ابن عمر الآتي: «وأمَّا رميُك الجمار، فلك بكلِّ حصاة

رميتها تكفير كبيرة من الموبقات».


 فضائل الحج Fl048729

ومن فضائل الحجّ أنّه من أفضل الأعمال التي يتقرّب بها العبد إلى ربّه تعالى.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل النبيّ صلى الله عليه وسلّم أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله

ورسوله،» قيل: ثمّ ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله»، قيل : ثم ماذا؟ قال: «حجٌّ مبرُور» [متفق عليه].

وعن ماعز رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم: أنّه سُئل أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله وحده،

ثم الجهاد، ثمّ حجّة مبرورة تفضل سائر الأعمال كما بين مطلع الشمس إلى مغربها »[رواه أحمد والطبراني بإسناد

صحيح "صحيح الترغيب" (رقم 1103)].


 فضائل الحج H3g48729

ومن عجز عن الجهاد من النساء، والعجزة والمرضى فقد جعل الله له بديلا لذلك، هو الحجّ.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله! نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ فقال: «لَكُنَّ أفضل

الجهاد؛ حجٌّ مبرور» -وفي لفظ -

«لكُنَّ أحسن الجهاد وأجمله الحجُّ؛ حجٌّ مَبرورٌ»، قالت عائشة: فلا أدع الحجّ بعد إذ سمعت هذا من رسول الله

صلى الله عليه وسلّم. [رواه البخاري].

وعن الحسين بن عليّ رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: إنّي جبان

وإنّي ضعيف، فقال: «هلُمَّ إلى جهاد لا شوكة فيه، الحجّ»

[رواه الطبراني وإسناده صحيح، صحيح الترغيب (رقم 1098)].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «وجهاد الكبير والضعيف والمرأة: الحجّ

والعمرة » [رواه النسائي وهو صحيح، صحيح الترغيب (رقم 1101)]. وإنما كان الحجّ والعمرة جهادا؛ لأنّه يجهد المال

والنفس والبَدَن.


 فضائل الحج 05i48729

ومن فضائل الحجّ أنّه يجلب الرزق، وذلك أنّ الحاجَّ يحتاج إلى بذل المال والإنفاق في سبيل الله، ومَن أنفق شيئا

في سبيل الله فإنّ الله تعالى يخلفه ويزيده من فضله. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله

صلى الله عليه وسلّم: «تابعوا بين الحجّ والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب

والفضّة، وليس للحجّة المبرورة ثواب إلا الجنّة» [رواه الترمذي، صحيح الترغيب 1105].

ومعنى قوله «تابعوا» أي: إذا حججتم فاعتمروا، وإذا اعتمرتم فحجّوا.


 فضائل الحج Ksv48729

إذا لبّى الحجاج نداء الله تعالى فإنّهم يفدون إليه فيعطيهم سؤلهم ويجيب دعوتهم، فعن جابر رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : «الحجّاج والعُمَّار وَفْدُ الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم»

[رواه البزّار وإسناده حسن بشواهده، انظر: صحيح الترغيب (رقم 1107)].

والوفد: الذين يقصدون الأمراء لزيارة وغير ذلك.